عبد الفتاح اسماعيل شلبي
384
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
وقد رأينا كيف كان ابن جنى يستهدى الروح البلاغي في التأويل ، ويتجه إلى المعاني النفسية في الاحتجاج ، كما كان يستهدى الحس اللغوي وبهذا شاعت الروح الأدبية في كتاب المحتسب ، وإنك لتلقى فيه دماثة الأسلوب ووضوح العبارة ، وتحامى الغموض والإملال ، والتخفف من المنطق ، والبعد عن الاستطراد ، والإطالة والتشعب . وتجافى الامعان في التعليل ، والاسهاب في الاستشهاد ، مما يجعل كل أولئك شواهد مميزة لابن جنى تخالف فيها مع أستاذه أبى على . وقد رأينا قبل كيف كان ابن جنى يهاجم ابن مجاهد في أغلب ما شذذ من القراءات ، على غير موقف الشيخ في ذلك . كما تعرضت لموقفه من رسم المصحف والاستشهاد به ، وشئ آخر يطهر عند ابن جنى ذلك هو الاستشهاد بشعر المولدين في المعاني « 1 » ، وظهور مسائل الخلاف بين النحاة البصريين والكوفيين على صورة باهتة ، لا كما تظهر في كتاب الحجة . ومرد أغلب هذه الفروق أن ابن جنى لحظ تجافى القراء عن الحجة بما فيه من إملال واستطراد وتعمق ، وإمعان في النظر . . . فأراد أن يتحامى ذلك كله ، وأن بتخفيف فيما لا بد منه . . . فجاء كتابه على هذه الصورة التي تقربه إلى النفوس . وغنى عن البيان - إذا ما أردت التحدث في التوافق الذي كان بين الشيخين - أن أقول : إن ابن جنى استعان بكثير من أصول شيخه ومسائله ، ثم زاد هو عليها بالتعليق والصياغة والتحقيق : يحدث عنه ، ويعتمد عليه في التدليل ، كما يعتمد عليه في التفسير اللغوي ، ويسلك مسلكه في تقديره سيبويه ، والدفاع عنه في إيمان ، ومهاجمته القراء في عنف وامعان ، ويستغل العروض كأستاذه في التدليل والاحتجاج على فرق بين الرجلين كما سبق به البيان . وجزى اللّه الرجلين كل خير ، فقد احتجا - للسبعة أو الشواذ - دفاعا عن القرآن الكريم وحفاظا ، عليه ، واحتسابا للأجر الجزيل ، والثواب العظيم . . .
--> ( 1 ) المحتسب : 1 / 161 .